منتدى عام وشامل
 
البوابةالرئيسيةدخولالتسجيل

شاطر | 
 

 الثـّـقافة واللـّـغة بقلم:عزالدّين بن عثمان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
midi007

avatar

ذكر
العمر : 23
عدد المساهمات : 336
تاريخ التسجيل : 03/04/2010
علم الدولة : الجزائر

مُساهمةموضوع: الثـّـقافة واللـّـغة بقلم:عزالدّين بن عثمان   الخميس 08 أبريل 2010, 13:22

الثـّـقافة واللـّـغة بقلم:عزالدّين بن عثمان

معرفة الطـّـبيعة الدقيقة للعلاقة بين اللـّـغة والثـّـقافة تسحر الباحثين وغير
الباحثين. أن تكون العلاقة بين الأصوات والكلمات المنطوقة وتركيبة الجمل
والنـّـحو وبين الطـّـرق التي بها يعبـّـر النـّـاس عن تجاربهم المختلفة
للواقع وسلوكهم فيه تبدو بديهيّة للوهلة الأولى ولذلك يبدو أنّ الإشكال
الوحيد المطروح هو التـّـعرّف على تلك العلاقة وتبيان طبيعتها بالأدلـّـة
العقليّة أو الملموسة. لكنّ ما هو بديهيّ، كما سنرى، ليس صحيحا بالقوّة.
وعندما نحاول أن نحدّد أيّة علاقة بين شيئين أو مجموعة من الأشياء قد
يضلـّـلنا البديهيّ، ثمّ إنّ الثـّـقافة وطرق التـّـفكير ليست أشياء
واقعيّة بل مجرّدة لأنـّـها تقع في مجال التـّـفكير والتـّـواصل
والتـّـعلـّـم والتـّـعبير عن الذّات وعن الواقع. بعض الظـّـواهر
المتعلـّـقة باللـّـغة والثـّـقافة غير قابلة للبرهان والبعض الآخر يصيب
بالحيرة ولذلك تبقى الثـّـقافة وتبقى اللـّـغة موضوعين مهمّين. ولا أعني
هنا الثـّـقافة الرّاقية (الموسيقى والقنون والأدب وغيريهم) أو الثـّـقافة
الدّنيا (الشـّـعبيّة) بل أعني بها كلّ شيء يتعلـّـمه الإنسان لكي يضطلع
بوظيفة ما ودور ما في مجتمع ما. وهذا تعريف شهير للثـّـقافة قدّمه غودنو
سنة 1957 ص 162 في مقال عنوانه "علم الأناسة الثـّـقافيّ واللـّـسانيات"
نشر في كتاب جماعيّ:
"ثقافة المجتمع تتألـّـف من كلّ شيء يتوجـّـب على الواحد أن يعرفه وأن
يؤمن به لكي يعمل بطريقة مقبولة من طرف كلّ أعضاء المجتمع و (تتألـّـف
ثقافة المجتمع) من كلّ شيء يجعله يقوم بذلك في أيّ دور يقبل به أعضاء
المجتمع ويرضونه لكلّ واحد منهم".
(W. H. Goodnough, Cultural Anthropology and Linguistics, in P.L. Garvin ion: Report on the Seventh Round Table Meeting on Linguistics and Language Study, Washington, Georgetown Univ Press, 1957)
حسب هذا التـّـعريف الثـّـقافة معرفة، يتطـلـّـبها المجتمع، تصنع سلوك
الأفراد؛ والسـّـلوك شيء يتمّ تعلـّـمه، كما قلت، وليس متأتـّـيا من جينات
الفرد أو من تركيبته البيولوجيّة. ويبقى الغرض من الثـّـقافة تشكيل الفرد
وسلوكة لكي يعيش طبقا لمعايير المجتمع. ولكي أبيّن علاقة اللـّـغة
بالمجرّدات التي يؤمن بها المجتمع سأعرض "فرضيّة صابير ـ وورف" التي أوحت
بأنّ بنية اللـّـغة تحدّد الطـّـرق التي بها يستعمل النـّـاس اللـّـغة.
(Sapir–Whorf hypothesis)

ومنذ البدء أشير إلى أنّه ثمّة شكل آخر ضعيف لفرضيّة صابير ـ وورف تقول
إنّ البنية اللـّـغويّة لا تحدّد النـّـظرة التي يحملها النـّـاس عن
العالم ولكنّها تبقى ذات تأثير كبير فيها لأنـّـها تشجـّـع الأفراد
المتكلـّـمين بلغة معيّنة على تبنّي نظرة معيّنة عن العالم والواقع. هذا
الزّعم أدهش الكثير من علماء الانثروبولوجيا والكثير من علماء
اللـّـسانيات. وثمـّـة نظريّة أخرى في علم اللـّـسانيّات الإجتماعيّة
تسمـّـى "نظريّة الانعكاس" (Reflection Theory) تقول إنّ الثـّـقافة
انعكاس للـّـغة التي يستعملها النـّـاس في مجتمع ما: بما أنـّـهم يعطون
قيمة لأشياء معيّنة ويما أنـّـهم يقومون بأفعال بطريقة ما فإنـّـهم
يستعملون لغة تعكس تلك الأشياء الهامّة لديهم وكلّ ما يقومون به من أفعال.
حسب هذه النـّـظرة الانعكاسيّة، الثـّـقافة والمتطـلـّـبات الثـّـقافيّة
لا تحدّد بنى اللـّـغة وإنّما تؤثـّـر الثـّـقافة في استعمال اللـّـغة
فحسب. وأمـّـا النـّـظريّة المحايدة فلا تومن بوجود علاقة بين اللـّـغة
والثـّـقافة على الإطلاق.

ولم يكن بنجامين لي وورف، (Benjamin Lee Worf) تلميذ إدوارد صابير، عالما
من علماء اللـّـسانيّات ولكنّه كان مهندسا كيميائيّا يعمل في إطفاء
الحرائق الضـّـخمة ولكنّه كان يمارس اللـّـسانيّات كهواية. عمل صابير
وتلميذه وورف على إثبات العلاقة بين اللـّـغة والثـّـقافة وقال إنـّـهما
غير منفصلين، وهذا هو النـّـص الشـّـهير الذي تحدّث فيه عن تلك العلاقة في
كتابه "اللـّـغة" (1921 ص 207):
"النـّـاس لا يعيشون في العالم الموضوعيّ وحدهم ولا يعيشون بمعزل عن
النـّـشاط الاجتماعيّ كما يُفهم بصفة عامّة ولكنّهم (يعيشون) تحت رحمة لغة
خاصّة صارت وسيلة التـّـعبير لمجتمعهم. ومن الوهم التـّـامّ أن نتصوّر أنّ
الواحد يساير الواقع أساسا من دون استعمال اللـّـغة وأنّ اللـّـغة مجرّد
وسيلة عارضة لحلّ مشاكل محدّدة في التـّـواصل أو التـّـفكير. حقيقة الأمر
هي أنّ "العالم الواقعيّ"، إلى حدّ كبير، مشيّد على العادات اللـّـغويّة
للمجموعة... نحن نرى ونسمع وخلافا لما يقال، نجرّب بطريقة واسعة كما نفعل
لأنّ العادات اللـّـغويّة للجماعة تفرض مسبقا اختيارات تأويليّة معيّنة".
(E. Sapir; language: an Introduction to the Study of Speech, New York, Harcourt, Brace, 1921)
قام تلميذه بنجامين لي وورف بتوسيع هذه الأفكار وذهب إلى أبعد الحدود فقال
إنـّـه ثمّة لدى الفرد استعداد مسبق يجعل الثـّـقافة واللـّـغة مترابطين
شديد الارتباط. في رأيه العلاقة بين اللـّـغة والثـّـقافة علاقة حتميّة.
خلفيّة النـّـظام اللـّـغويّ المستعمل وقواعد اللـّـغة النـّـحويّة، كما
كتب، ليست مجرّد أدوات لإنتاج أفكار منطوقة، وإنـّـما هي التي تشكـّـل
الأفكار وتقود النـّـشاط الذّهنيّ للفرد، في تحليله وانطباعاته وفي
استنتاجاته وفي الرّصيد الذي يروّج له. التـّـعبير عن الأفكار في رأيه ليس
عمليّة مستقلـّـة، عقليّة في طبيعتها، بل هي جزء من النـّـحو اللـّـغويّ
وتختلف اختلافا طفيفا بين اللـّـغات. قال وورف إنّ نماذج وأنواع
التـّـفكير التي يحاول علماء اللـّـسانيّات الاجتماعيّة عزلها لا يجدونها
في الواقع بالرّغم من أنـّـها ظواهر تحدّق في كلّ ملاحِظ في الوجه. ويصوّر
العالم كتدفـّـق متلوّن (متعدّد) من الانطباعات يقوم بتنظيمها الذّهن؛
وهذا يعني، بعبارة أخرى، تلك النـّـظم اللـّـسانيّة الموجودة في أذهاننا.
نحن، حسب وورف، ننظـّـم الطـّـبيعة في مفاهيم محدّدة ونعطي أهمّية لما
نفعل عبر ما نتكلـّـم به وذلك يوضـّـح التـّـرابط الموجود بين اللـّـغة
وأشكال النـّـظم الرّمزيّة التي نكوّن. التـّـرابط في نظر وورف خفيّ وغير
معبـّـر عنه ولكنّه حتميّ بصفة مطلقة؛ نحن لا نستطيع التـّـكلـّـم من دون
إعطاء معان لطرق التـّـنظيم والتـّـصنيف الذين نقوم بهما.

وبالرّغم من قوله بحتميّة العلاقة بين اللـّـغة والأفكار يناقض وورف نفسه
ويقول إنّ البنى اللـّـغويّة لا تحدّد تماما الكيفيّة التي بها ننظر إلى
العالم ثمّ يقول مرّة أخرى إنّ الفرد ليس حرّا في وصف الطـّـبيعة بحياد
مطلق ولكنّه مرغم على نماذج معيّنة من التـّـأويل وإن كان يفكـّـر بأنـّـه
حرّ. وبهذه الكيفيّة ينظـّـر لمبدإ جديد في النـّـسبيّة التي يقول بها
علماء الأناسة الثـّـقافيّة: أنّ الملاحظين لا تقودهم نفس الأدلـّـة
المادّية عن نفس الصـّـورة التي يحملون عن الكون والواقع إلاّ بقدر ما
كانت خلفيّاتهم اللـّـغويّة متشابهة. حسب هذه الرّؤية، الملاحظون، وهم
الدّارسون، يجرّبون الواقع من خلال لغاتهم وتختلف نتائج أبحاثهم باختلاف
لغاتهم. وحسب وورف، مهما فعل الدّارس للـّـغة والثـّـقافة، لا يستطيع أن
يتجنـّـب رؤية الواقع لا كما هو موجود فعلا وإنـّـما من خلال ما تفرضه
عليه اللـّـغة.

راح علماء اللـّـسانيّات يدرسون فرضيّة وورف (كما صارت تسمّى لاحقا)
فقالوا إذا كان هناك أناس لديهم مصطلحات غير موجودة في لغة تتكلـّـم بها
مجموعة أخرى فإنّ المنتمين للمجموعة الأولى يجدون سهولة في الحديث عن
الأشياء في حين تجد المجموعة الثـّـانية صعوبة لأنّ لغتها فقيرة. هذا ما
يمكن ملاحظته عندما نقارن العربيّة باللـّـغات الغربيّة: العربيّة لا نجد
فيها المصطلحات العلميّة الموجودة في اللـّـغات الغربيّة ولذلك يضطرّ
الكتـّـاب العرب إلى الكتابة بلغات أجنبيّة عند الحديث عن علم الفلك مثلا
وعن الطـّـبّ أو الفيزياء النـّـوويّة. ويمكن أن نلاحظ كذلك أنّ الشـّـخص
الذي لم يدرس الطـّـبّ لا يستطيع الحديث عن الظـّـواهر المرضيّة مثل
الطـّـبيب لأنـّـه لا يملك المصطلحات اللاّزمة لذلك. وانطلاقا من هذين
المثالين قيل إن الأفراد الذين يضعون مصطلحات يميّزون بواسطتها بين
الأشياء في محيطهم يصبحون قادرين على التـّـمييز بينها بسهولة. هذا
النـّـقاش وفـّـر لنظريّة وورف نوعا من الصـّـلابة التي لا تتوفـّـر فيها
أصلا، كما سأوضـّـح لاحقا. وأمّا الزّعم الأقوى فقد شدّد على أنّ
النـّـماذج اللـّـغويّة والأشكال النـّـحويّة تساعد النّاس على التـّـفكير
وعلى إدراك العالم بطريقة معيّنة تجعلهم مختلفين عن غيرهم ولكنّ تلك
الأشكال اللـّـغويّة تحدّ من الإدراك في نفس الوقت. فهل أنّ البشر يدركون
فقط ما تسمح به اللـّـغة؟ وهل أنّ اللـّـغة تتحكـّـم بنظرتنا للعالم؟ لو
أجبنا على السـّـوالين بنعم لقلنا إنّ النّاس الذين يتكلـّـمون بلغات
مختلفة يدركون الواقع بطرق مختلفة أيضا.

تأثـّـر وورف في نظريّته بتجاربه الخاصّة في مكافحة النـّـيران وبدراسته
للغة الهنود الحمر المسمّاة "هوبي" (Hopi) والتي تتكلـّـم بها مجموعة
هنديّة تسكن أريزونا. وفيما كان يعمل في إطفاء الحرائق، وجد النـّـاس
يستعملون الصّفتين "ملآن" و"فارغ" عند الحديث عن صهاريج الغاز أي أنـّـهم
لا يعتبرون البخار الغازيّ سائلا يملأ تلك الصـّـهاريج ولذلك يجلسون
بجانبها ليدخّنوا لاعتقادهم أنـّـها فارغة. استنتج وورف أنّ هذا السـّـلوك
ناتج عن المقارنات الموجود في الصـّـيغ اللـّـغويّة وعلى درجة التـّـحليل
الذي يقوم به الشـّـخص وكيفيّة إعطائه للأشياء مكانا في الواقع. وهذه
الأشياء في رأيه تتمّ بصفة غير واعية لأنـّـها مبنية في لغة الجماعة. ثمّ
قام لاحقا بدراسة لغة الهوبي وقارن بنيتها بالبنية اللـّـغويّة
للإنجليزيّة وكذلك ببعض البنى اللـّـغويّة الاروبيّة مثل الفرنسيّة
والألمانيّة وغيرهما. رأى أنّ هذه اللـّـغات تتشابه في تركيبتها حتـّـى
أنـّـه أسماها "اللـّـغات الأروبيّة المقيّسة" (Standard European Average
Languages, AEAL) وقال إنّ لغة الهوبي توفـّـر عمليّة توجيه نحو العالم في
حين لدى اللـّـغات المقيّسة اتـّـجاه ثابت نحو الزّمن والمكان وبذلك تموضع
تلك اللـّـغات الواقع بطريقة معيّنة وتميّز بين الأشياء القابلة للعدّ
(أشجار، تلال، أمواج، وغير ذلك) وبين الأشياء الغير قابلة للعدّ (ماء،
نار، شجاعة...). كما لاحظ أنّ في اللـّـغات الأروبيّة تحدث الأشياء في زمن
محدّد، إمّا في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، بينما في لغة الهوبي
الأشياء قد لا تحدث ولكن لها ما يبرّر حدوثها أو إمكانية حدوثها في
المستقبل. أعتقد وورف، انطلاقا من اختلاف لغة الهوبي عن اللـّـغات
الأروبيّة، بأنّ الهوبي والمجتمعات الأروبيّة لا ترى العالم بنفس
الطـّـريقة. الهنود الحمر، في رأيه، يرون العالم كعمليّات من الأحداث،
والأشياء عندهم خفيّة وغير معدودة والزّمن عندهم غير مقسّم إلى أجزاء وغير
مرتبط بالمكان بينما يرى الأوربيّون أنّ كلّ شيء غير خفيّ ويمكن قياسه في
الزّمان والمكان وبالتـّـالي هم يختلفون عن الهوبي في الإدراك.

وبقطع النـّـظر عن تحقيره للهنود الحمر فإنّه أراد أن يقول إنّ النـّـماذج
النـّـحويّة الحتميّة تجعل الفرد يقوم بالتــّـحليل حول الكيفيّة التي بها
هيكلت لغته العالم. بهذه الطـّـريقة تعمل اللـّـغة كفلتر يفرز الواقع
ويحدّد الإدراك وكيفيّة تنظيم الواقع بجانبيه الطـّـبيعيّ والاجتماعيّ.
اللـّـغة إذا تحدّد التـّـجربة ولا تـُستعمل في وصف تلك التـّـجربة فقط
وإنـّـما هي ليست محايدة إذ تضع العراقيل أمام المتكلـّـمين بها وتفرض
عليهم طرق التـّـفكير. قال المعجبون بنظريّة وورف إنّ اللـّـغة تؤثـّـر في
علافة الفرد بالعالم والواقع وفي كيفيّة تعامله معه. النـّـاس إذا
يفكـّـرون بقدر ما يملكون من كلمات ومصطلحات ويختلفون في التـّـفكير حسب
لغاتهم: الإنجليز مثلا يسمّون أرجل البشر والحيوانات بكلمة واحدة (legs)
أمّا الإسبان فيستعملون كلمتين (piernas y patas). وفي روديسيا الإفريقيّة
يقسّم السـّـكـّـان الطـّـيف اللـّـونيّ بطريقة مختلفة عن الهانونو الذين
يسكنون الفيليبين. الكلمة الفرنسيّة conscience تقابلها كلمتان في
الإنجليزيّة:conscience, consciousness . وفي مقابل هذه الأدلـّـة يجد
الباحث نفسه مدفوعا إلى صياغة الاستنتاجات. نحن نعلم أنّ كلمات مثل "يد،
عضد، موجة، نار، شعلة، سماء" موجودة ونميل إلى اعتبارها أشياء لها وجود
فعليّ مستقلّ، وفي نفس الوقت نعلم أنـّـها تختلف عن كلمات أخرى مثل "صخرة،
جبل، قطّ، شجرة..." لأنّ في أذهاننا دلالات مرتبطة بكلّ كلمة. نفهم إذا
الكلمات التي تعبـّـر عن الأشياء والأحداث والأفعال بطريقة معيّنة وكلّ
لغة تشير إلى خصائص الواقع المادّي وغير المادّي لكنّ النّاس، على عكس ما
يزعم وورف، واعُون بكيفيّة نتظيم العالم باستعمال اللـّـغة وهم الذين
ينشؤون المصطلحات والألفاط كلـّـما دعت الحاجة إلى ذلك.

نلاحظ بالتـّـالي أنّ الأدلـّـة التي تبدو بديهيّة قد تضلـّـل الباحث.
وفيما يتعلـّـق بوورف نرى أنـّـه اعتمد على التـّـرجمة الحرفيّة لمصطلحات
الهوبي ولم يأخذ بعين الاعتبار التعابير المجازيّة. الأدلـّـة
التـّـركيبيّة تمكـّـن المتكلـّـم من تكوين ملاحظات وتحاليل بسهولة في
أوضاع معيّنة في حين يصعب عليه ذلك في أوضاع أخرى. النـّـماذج اللـّـغويّة
ليست حتميّة ولكنّها تهيكل أنماط التـّـنظيم الاجتماعيّ للأشياء
والنـّـاس. التـّـصنيف اللـّـغويّ (language typology) موضوع مهمّ ولكنّه
اليوم مشكوك فيه لأنّ العلاقة بين أنواع معيّنة من التـّـراكيب
اللـّـغويّة والثـّـقافة لا تتوفـّـر أدلـّـة تثبتها إثباتا قطعيّا. وقد
استبعد فرانتس بواس (Franz Boas) قبل وورف (سنة 1911 في كتابه عقل الإنسان
البدائيّ) وجود أيّة علاقة ضروريّة أو حتميّة بين اللـّـغة والثـّـقافة
وبين اللـّـغة والعرق. كلّ اللـّـغات تحتوي على نفس البنى المتشابهة
وتعبّر عن نفس الثـّـقافة تقريبا وبالتـّـالي الفكرة القائلة بوجود ثقافة
"أرفع" من غيرها من الثـّـقافات فكرة مغلوطة.

وفي ختام هذا التـّـقديم المطوّل أقول إنّ الزّعم باستحالة وصف الأشياء
بلغة تفتقر إلى المصطلحات التي تحدّد تلك الأشياء (نقص في الموارد
اللـّـغويّة) زعم لا أساس له من الصـّـحـّـة، وأقول إنّ كلّ لغة تملك
الموارد اللاّزمة التي تجعل مستعملها يعبّر عن الأشياء كما يشاء. اللـّـغة
تمتلك ديناميكيّة داخليّة، متأتّية من ارتباطها بالواقع الاجتماعيّ،
تجعلها قادرة على التـّـأقلم والتـّـطوّر من خلال استيعاب المصطلحات
والمفاهيم الموجودة في لغات أخرى. البلدان التي توصف بالتـّـخلـّـف مثلا
لم تـُـعرض عن الطـّـائرات وشراء الأسلحة الحديثة بدعوى أنّ ثقافاتها ليست
متطوّرة لأنّ مواطنيها لا يملكون الموارد اللـّـغويّة اللاّزمة وإنّما
نجدها تسعى جاهدة لاستيعاب تلك التــّـقنيّات. وبالرّغم من أنّ بعض
المصطلحات لا تقبل "التـّـرميز" إلاّ بصعوبة في بعض اللـّـغات فإنّ
النـّـاس بإمكانهم أن يتنجوا المصطلحات إن أرادوا ذلك. اللـّـغة توفـّـر
نظاما معقـّـدا من المعاني يجعل الفرد قادرا على القيام بالملاحظة
والتـّـحليل ويجعله قادرا على مقاومة المحدوديّة اللـّـفظيّة التي تحدّث
عنها وورف.

اللـّـغة تنتمي للثـّـقافة المنتجة اجتماعيّا:

الحيوانات لها طرق في التـّـواصل فيما بينها لكنّ البشر يملكون قدرة فائقة
في مجال اللـّـغة ممّا يجعلهم يتقنون تحميل اللـّـفظ الذي هو رموز منطوقة
أو أصوات معانيَ عديدة. اللـّـغة مادّة ثقافيّة يتمّ تعلـّـمها وليست
موروثا بيولوجيّا. وتتمثـّـل كلّ لغة في منظومات صوتيّة أو في نظم صوتيّة
تحمل معان دقيقة، كما قلت، يتـّـفق عليها النـّـاطقون بتلك اللـّـغة وهم
الذين حمـّـلوها تلك المعاني. وحسب هذا التـّـعريف لا يُشترط في اللـّـغة
لكي تكون لغة أن تكون مكتوبة لأنّ الآلاف من لغات العالم غير مكتوبة أي
أنـّـها منطوقة فحسب. وبما أنّ اللغة تستعملها المجموعة وتتعلـّـمها فهي
مادّة مشتركة صُنعت بصفة جماعيّة ويتمّ تجديدها بصفة جماعيّة أيضا. وتعرّف
اللـّـغة بأنّها وسيلة في التـّـواصل ولكنـّـها الوعاء الذي يحمل
الثـّـقافة. اللـّـغة حسب فرديناند دي سوسّير هيكل ممنهج أو نظام هيكليّ
منظـّـم يمثـّـل حلقة وصل بين الفكر والأصوات المنطوقة. ويُجمع علماء
اللـّـسانيّات على أنّ المعاني تـُحمـّـل للـّـغة بصفة عشوائيّة أي من دون
اتـّـباع نظام معيّن في ذلك. هذه الأزواج والمجموعات من الكلمات بات ـ
تاب، ساق ـ قاس، قصر ـ صقر ـ رقص، سحب ـ حبس ـ سبح، تحمل معان غير مرتبطة
ببعضها البعض. القصر والرّقص والصـّـقر تدلّ على أشياء مختلفة كما أنّ
الأصوات المنطوقة عند التـّـلفـّـظ بها (أي الكلمات) لا تدلّ على الأشياء
المشار إليها لا من قريب ولا من بعيد وإنّما يحمل المرء معان تدلّ على
الأشياء الثـّـلاث موجودة في ذهنه وفي ذهن المستمع أيضا. وبالتـّـالي
الأصوات رموز تدلّ على أشياء موجودة في الذّهن كصور مجرّدة. الكلمة ليست
مجموع الأحرف المكتوبة ولكنّها الأصوات المنطوقة التي تضاف إلى بعضها
البعض لتشير لمعان نحملها عن الأشياء الموجودة من حولنا.

المعاني الرّمزيّة للكلمات المنطوقة لها قيمة كبرى في ذهن النـّـاطق
والمستمع لأنّ تلك الأصوات تحمل شحنات عاطفيّة وقيما تجعلها أكثر بكثير من
مجرّد أصوات منطوقة. عندما أتلفـّـظ بهذه الجملة "السـّـماء صافية" أنا في
واقع الأمر أصدرت سلسلة من الأصوات وكلّ ما ينطق به البشر إنـّـما هو
تسلسل صوتيّ مُـتـَـعلـّــَـم يدخل في نطاق نظام رمزيّ للتـّـواصل تحمله
اللـّـغة. النـّـظام الرّمزيّ للتـّـواصل يمتاز بالمرونة لأنـّـه يمكـّـن
المتكلـّـم من إنشاء عدد لامحدود من التـّـسلسلات المنقوطة. بإمكان
المتكلـّـم أن يشير إلى معان جديدة أو مختلفة كلـّـما غيّر ترتيب
التـّـسلسل الصوتيّ: مثلا: رـ ق ـ م ـ وهي أصوات (فونيمات) تعطي رقم ومقر
وقمر ورمق إلخ. وقد قلت إنّ النـّـظام الرّمزيّ للتـّـواصل يمتاز بالمرونة
لأنـّـه يمكـّـن من إيجاد معان جديدة، وهذا الأمر تثبته الكلمات الجديدة
التي يتمّ إنشاوؤها أو صناعتها في اللـّـغة وتلك الكلمات هي في الحقيقة
رموز صوتيّة تدلّ على أشياء موجودة في الواقع أو مجرّدة. وما دام الشـّـخص
يشير لدلالات موجودة في ذهنه عندما ينطق بسلسلة صوتيّة فإنّ غالبيّة ما
ينطق به يعبـّـر عن الثـّـقافة. المرونة في النـّـظام الصـّـوتيّ لا
تمكـّـن من إنشاء معان جديدة فحسب وإنـّـما تجعل التـّـغيير في الدّلالات
أو المعاني القديمة ممكنا أيضا. لنأخذ مثلا كلمة "روبوط" فهي ليست عربيّة
بل سلافيّة وقد دخلت اللـّـغة الإنجليزيّة سنة 1923 (من مسرحيّة كتبها
تشيكيّ اسمه كارل كابيك) ثمّ دخلت العربيّة لاحقا للتـّـعبير عن الآلة
التي تقوم بعمل ما. نفس الشـّـيء ينطبق على الكلمات "قطار، باص، جامعة،
كلـّـيّة، إلخ إذ لم تكن معروفة في القرن الثـّـاني للهجرة مثلا.

وبالرّغم من أنّ العربيّة يتكلـّـم بها أكثر من 200 مليون نسمة فإنّ العرب
لا يهتمّون بأصل الكلمات فيها ولا يؤرّخون لظهور الكلمات الجديدة فيها أو
لتغيّر معاني الكلمات القديمة عبر الزّمن وإنـّـما هم متمسّكون بلسان
العرب لابن منظور وكتاب العين للخليل بن أحمد فقط، حتــّـى أنـّـك لو بحثت
عن كلمة حديثة لن تجدها في القواميس المتوفـّـرة. ما يهمّنا هنا هو أنّ
اللـّـغة تتطوّر استجابة للتـّـغيـّـر الذي يحصل في المجتمع أو في
الظـّـروف المعيشيّة. اللـّـغة تولد أي تتشكـّـل من لغة قديمة عادة ثمّ
تشيخ وتهرم فتموت. معنى هذا أنّ اللغة تظلّ تتغيّر وتتطوّر إلى أن تصبح
لغة مختلفة تماما عمّا كانت عليه من قبل وعندها يمكن التـّـمييز بين
اللـّـغتين: القديمة التي ماتت والجديدة التي تشكـّـلت.

ومن الأشياء الغير واضحة في الأذهان كلمتا "لغة" و "خطاب" إذ يُستعملان
كمترادفين في حين أنّ اللـّـغة، كما قلت، نظام صوتيّ للتـّـواصل يتضمـّـن
مجموعة من القواعد تمكـّـن من إنتاج الخطاب. والخطاب هو بكلّ بساطة نمط من
سلوك لفظيّ أو هو سلوك لفظيّ منمـّـط. الخطاب قد تطغى عليه لهجة معيّنة
وهي طريقة في نطق اللـّـغة (النـّـظام الصّوتيّ) تختلف عن اللـّـغة
المقيّسة (standardized language). التـّـقييس (standardization) هو جعل
اللـّـغة خاضعة لمقاييس موحّدة، أي تنطق بنفس الطـّـريقة. اللـّـهجة عادة
ما تكون اجتماعيّة مستندة إلى الإثنيّة والطـّـبقة والجندر والعمر وإلى
ظروف اجتماعيّة وجغرافيّة معيّنة.

اللـّـهجة مرتبطة بالوضع الإجتماعي، وقد يستعمل الفرد في كلّ وضعيّة لهجة
معيّنة أو لغة مختلفة إذا كان متقنا لعدّة لغات وذلك حسب الشـّـخص
المخاطـَـب. هذه العمليّة تسمّى " تغيير المنظومة الرّمزيّة" (code
switching) أو المناوبة بينها، وتسمّى أيضا Diglossia. كلّ شخص يحمل في
ذهنه عددا من المنظومات الرّمزيّة، أسواء كانت لهجات أم لغات، يلجأ إليها
حسب الوضعيّات المختلفة التي يجد نفسه فيها. اكتساب لهجة أو لغة هو اكتساب
مهارات تمكـّـنه من التـّـواصل بطريقة معيّنة أو بلغة معيّنة. اللـّـغة
الأولى أو اللـّـغة الأمّ (L1) يتعلـّـمها الشـّـخص من دون أيّة وكالة
رسميّة (وإنّما من وكالة للتـّـنشئة الاجتماعيّة غير رسميّة هي العائلة)
بطرق اختلف حولها علماء اللـّـسانيّات. وفي حالة وجود لغات عديدة (L2 – L3
etc) في المجتمع الواحد فإنّه يوجد توزيع هيكليّ وظيفيّ لتلك اللـّـغات،
حيث تكون اللـّـهجة أو اللـّـغة المقيّسة هي الرّسميّة أي تتمتـّـع بنوع
من السّمعة والنـّـفوذ (برستيج) وتكون اللـّـهجات واللـّـغات الأخرى في
مكانة دونية. وبصفة عامّة لهجة الشـّـخص هي جزء من كيانه حتـّـى أنّه
ينصدم عندما يسمع لغته تـُـنطق بلهجة مغايرة. اللـّـهجات الغير مقيّسة
تبقى لهجات هجينة أو سوقيّة (vernacular). هذا ما أكـّـده علماء الألسن
وما نلاحظه في المجتمع: اللـّـهجة مرتبطة بالمكانة الاجتماعيّة.

اللـّـغة والتـّـفكير:

اللـّـغة يتمّ تعلـّـمها شفويّا بادئ الأمر وعن طريق التـّـقليد. هذه
العمليّة تتم في إطار عمليّات التـّـواصل بين الطـّـفل ومحيطة لكنّ
اللـّـغة ليست مجرّد آداة للتـّـواصل ولا تحمل الثـّـقافة فحسب؛ لربّما
تؤثـّـر في عمليّات التـّـفكير، كما قال صابير وتلميذه وورف: المرء
يفكـّـر بقدر ما يملك من كلمات ودلالات. هذا القول لم يتمّ إثباته بصفة
قطعيّة، لكنّ اللـّـسانيّين خلال النّـصف الأوّل من القرن العشرين اعتقدوا
أنّها أهمّ من ذلك بكثير فقد ظنـّـوا أنـّـها تشكـّـل الإدراك. وهنا أشير،
مرّة أخرى، إلى نظريّة إدوارد صابير وتلميذه بنجانين وورف (Sapir-Whorf
Hypothesis) التي زعمت أنّ اللـّـغة تحدّد بصفة مسبقة ما نراه في الواقع
من حولنا: أي أنّ اللـّـغة، حسب هذه النّظريّة، تقوم بوظيفة العدسة
الملصقة بكاميرا فتعمل كالمِرْشح أو الفلتر تفرُز وتنظـّـم الواقع. نحن
بعبارة أخرى نبصر وندرك أشكال الواقع عبر ما نملك من النـّـماذج
اللـّـغويّة. وقد توصّلا صابير وتلميذه وورف إلى هذا الاستنتاج عبر مقارنة
الأفكار الثـّـقافيّة التي يحملها النّاس عن الألوان. اللـّـون تموّج
ضوئيّ له تردّد معيّن يشكـّـل الألوان. الثـّـقافة عبر اللـّـغة تقودنا في
عمليـّـة تمييز الألوان المنظورة المكوّنة للطـّـيف اللـّـونيّ ممّا ينتج
عنه تقسيم الطـّـيف إلى ألوان بطرق مختلفة حسب الثـّـقافات. حسب صابير
ووورف قد يبصر أشخاص اللـّـون الأخضر داكنا في حين يبصره آخرون خفيفا.
الألوان حسب هذه النـّـظريّة ليست موضوعيّة وليست محدّدة طبيعيّا كعناصر
من الواقع وإنـّـما تحدّدها مسبقا الثـّـقافة التي نحمل. غير أنّ فرضيّة
سابير ـ وورف أخضعت للتـّـجربة خلال السـّـتـّـينات فتبيّن أنّها كانت
خاطئة إذ كلّ الأشخاص يدركون الألوان بنفس الطـّـريقة برغم الأختلاف في
المصطلحات اللـّـغويّة التي تـُـطلق على الألوان وتنوّعها من لغة إلى
أخرى. الأعين متشابهة فيزيولوجيّا وبالتـّـالي تبصر التـّـدرّج الضّوئيّ
للألوان وتقسّم الطـّـيف اللـّـونيّ القابل للإبصار بنفس الطـّـريقة. إلاّ
أنّ التـّـقنيّات الحديثة والتـّـطوّر العلمي حعل أناسا يتعرّفون على
ألوان لا يعرفها أخرون لا يملكون تلك التـّـقنيّّات. في اليابان وفي
البلدان الغربيّة تمكـّـن مصنـّـعوا السّيـّـارات من إيجاد ملايين الألوان
عبر المزج انطلاقا من الألوان الأوّليّة حتـّـى أنّ المرء لا يستطيع معرفة
أسماءها. التـّـعقيد هنا أدّى إلى إيجاد مصطلحات جديدة كثيرة، وفي ميدان
الحاسوب مثلا تعرّف الألوان عن طريق الأرقام: أنظر هذه الفقرة: (أرجو أن
تظهر الألوان).

HTML color codes are hexadecimal triplets representing the colors red,
green, and blue. In the color red, the color code is FF0000, which is
'255' red, '0' green, and '0' blue.
Turquoise: #00FFFF - Light Purple: #FF0080 - Pastel Green: #00FF00 etc…

الألوان في الطـّـبيعة لا حصر لها؛ شاشة التـّـليفزيون تستعمل ما يزيد عن
68 مليون من الألوان، لكن في اللـّـغة والثـّـقافة لا نستعمل سوى عددا
محدودا من التـّـسميات نطلقها على الألوان. وبقدر ما يتغيّر المحيط
والواقع تستجيب الثـّـقافة وكذلك اللـّـغة لذلك التـّـغيّر وذلك بإيجاد
مصطلحات ومعان جديدة.

في الحقيقة أوّل من طرح الفكرة القائلة بأنّ النّاس يدركون الألوان بطرق
مختلفة كان الوزير الأوّل البريطاني ويليام غلادستون (William
Gladstone:1809 - 1898 ) في منتصف القرن التـّـاسع عشر. زعم غلادستون أنّ
الإغريق القدامى كانوا يدركون الألوان بطرق مختلفة عن الأروبيّين في زمانه
وذلك من خلال دراسته لهوميروس (Homer)، وقد اقترح تفسيرا تطوّريا لذلك:
أنّ ألإبصار قد ارتقى، ومن المعلوم أنّه كان معاصرا لداروين. بعد ذلك دار
النـّـقاش حول ما إذا كانت الألفاظ المعبـّـرة عن الألوان هي التي تغيّرت
أم أنّ حاسّة الإبصار هي التي ارتقت. وفي خضمّ ذلك النـّـقاش ثمّة من قال
إنّ التـّـطوّر الإجتماعيّ يرافقه تطوّر في الإدراك: المجتمعات تبتدع
ألفاظا وافكارا ثقافيّة لمواكبة الإرتقاء الحاصل في المجتمع (مسايرة
الثـّـقافة للتـّـعقيد المجتمعيّ). وفي هذا المجال كان تأثير
الأنثروبولوجيّ الأمريكيّ فرانس بواس (Franz Boas) المعارض للإرتقاء
كبيرا. وقد اهتمّت كلّ العلوم بهذه المسألة لمعرفة العلاقة بين اللـّـغة
والثـّـقافة من ناحية وبينها وبين الإدراك من ناحية أخرى. ومن علماء
الألسن الذين قالوا بنسبيّة التـّـطوّر وشموليّة التـّـقليد بول كاي،
(Paul Kay) أستاذ جامعة كاليفورنيا في كتاب ألـّـفه بمعيّة برنت برلين
(Brent Berlin). نسبيّة التـّـطوّر وشموليّة التـّـقليد فكرة مأخوذة من
علم الإثنيّات الذي كان يتغنّى بتفوّق أعراق معيّنة على أعراق أخرى
لأنـّـها أكثر تطوّرا. وقد طبـّـق علم الإثنيّات نظريّات التـّـطوّر على
إثنيات وثقافات غير أروبيّة. الأروبيّ، كما يقول إدوارد سعيد، أخضع دوما
الآخرين للبحث والفحص وجعلهم أدنى منه مرتبة.


شموليّة الثـّـقافة والتـّـطوّر المصطلحي للتـّـعبير عن الألوان رسّختها
السيكولوجيا الإدراكيّة، وقد برهن بول كاي وبرنت برلين على تلك النّسبيّة
بمحدوديّة المصطلحات السيكودلاليّة في الثـّـقافة (psycho-semantic
terminology)، لكنّ ما نستخلصه من نظريّتهما هو أنّ إطلاق المصطلحات نشاط
اجتماعيّ وتعلـّـمها ممارسة اجتماعيّة. أمّا تصنيف الثـّـقافات حسب درجة
تطوّرها أو تعقيدها فلم يعد مقبولا اليوم خاصّة بين علماء الأنثروبولوجيا.
كلّ ثقافة تقسّم الطـّـيف اللـّـونيّ بطريقة عشوائيّة ولأسباب براغماتيّة
أيضا. ولابدّ من الإشارة هنا إلى أنّه في عمليّة إطلاق المصطلحات (وإنتاج
الأفكار بصفة عامّة أي الثـّـقافة) تدخل نوايا المجموعات البشريّة
وأهدافهم من وراء إيجاد المصطلحات وذلك يقتضي معرفة، والمعرفة غير
متوفـّـرة لكلّ المجتمعات ممّا يعيق الإدراك والثـّـقافة. أن يعي الإنسان
ثقافته ولغته يؤدّي به إلى التـّـقدّم حتما.

وفي أبحاث قام بها دلوين لندساي وأنجلا براون (Delwin Lindsey and Angela
Brown) بجامعة أوهايو تمّ فحص المعلومات المتعلـّـقة بالألوان التي قام
بجمعها بول كاي من أكثر من مائة لغة، سنة 2002 وتوصّل الباحثان، لندساي
وبراون، إلى أنّ معظم اللـّـغات المدروسة لا تميّز بين اللـّـونين الأحمر
والأزرق وذلك حسب قربها من خطّ الإستواء. تقول النـّـظريّة إنّ المحيط
الحارّ يؤثـّـر على قدرة الأشخاص على رؤية الألوان وأنّ تلك القدرة قد
تغيّرت نتيجة تعرّض المجتمعات القريبة من خطّ الإستواء للأشعـّـة ما قوق
البنفسجيّة. وقد قال لندساي وبراون إنّ المجتمعات الإستوائيّة لا تعرف سوى
ثمانية ألوان أمّا سابير وتلميذه وورف فقد قالا أنّ النّاس يعرفون بصفة
عامّة 13 لونا. ويعدّ هذا إحياء لنظريّات الإرتقاء الدّاروينيّة (المصدر:
مقال لترّي ريجيي ينقد فيه نظريّة لندساي وبراون ).

الدّكتورة أنجلا براون باحثة في علم النّفس التـّـجريبي والبصريّات
ومهتمّة بدراسة التـّـطوّر البصري لدى الإنسان. وقد قامت بأبحاث بمعيّة
لندساي حول إدراك اللـّـون وتسميّة اللـّـون تبعا لإدراكه. أمّا بول كاي
فهو أستاذ للـّـسانيات والأنثروبولوجيا ومعروف خاصّة بعمله الذي قام به
بمعيّة برنت برلين.

وبقطع النّظر عمّا إذا كانت نظريّة سابير ـ وورف نظريّة فلكلوريّة عن
اللـّـغة والذّهن أم لا، فإنّ المصطلحات التي تستعملها الثـّـقافة تعكس
اهتمامات ومطامح ونوايا المتكلـّـمين بلغة ما. ومن الأمثلة التي اتـّـخذت
كدليل على هذا الرّأي هو أنّ سكـّـان المناطق الباردة شمال كندا لديهم
مصطلحات كثيرة تطلق على الثـّـلج في حين أنّ باقي المجتمعات لديها
تسميّتان فقط: الجليد والثـّـلج. لكنّ في الفرنسيّة كلمة ثالثة هي
(verglas) التي تترجم في الإنجليزيّة بـ (black ice) أو (sleet) وأمّا
الألفاظ:
Frost, chill, cold, hail, snowflake, blizzard, snowstorm, snowfall, whiteout,
فهي تفيد كلـّـها عن شيء واحد هو الثـّـلج يستعملها النّاطقون
بالإنجليزيّة القاطنون بالمناطق الباردة ولا يستعملها سكّان المناطق
الحارّة. ويمكن التـّـدليل على هذه الفكرة أيضا بما يوجد من تسميات في
العربيّة القديمة تـُـطلق على الخيل وعلى الأسد وعلى الصّحراء وذلك
للإرتباط الوثيق بين العربيّة والمحيط الصّحراوي الذي يعيش فيه العرب
وكذلك نمط العيش. الفكرة هنا هي أنّ المصطلحات والألفاظ نستعملها وننتجها
عندما تكون مهمّة في واقعنا.

ويتأثـّـر النّاس في وضع المصطحات وابتداع الأفكار بعوامل أخرى مثل الجندر
كما أشرت من قبل. النّساء مثلا تعرفن عددا أكبر من الألوان مقارنة
بالرّجال لأنّـهنّ مهتمّات بالموضة واللّباس وموادّ التـّـجميل والبنات
الصّغيرات تدرّبن على ذلك من طرف أمّهاتهنّ. والرّجال يعرفون الكثير عن
الأعمال اليدويّة ومختلف الأدوات المستعملة في المهن ويعرفون الكثير عن
الألعاب التي تتطلـّـب قوّة ويمارسونها بمهارة في حين تعرف النـّـساء عن
مهن الرّجال وأدواتهم وألعابهم الشـّـيء القليل. المحيط الثـّـقافيّ مرتبط
ارتباطا عضويّا بالواقع المعاش فنجد مثلا سكّان الصّحراء يقيمون سباقات
الخيل والمناظرات الشـّـعريّة وأنشطة ثقافيّة أخرى تساعدهم على العيش في
ذلك المحيط والتـّـأقلم معه ومعظمهم لا يتعلـّـمون السّباحة مثلا لبعدهم
عن البحر. وإذا ما وجدنا أناسا من الصّحراء يعرفون السّباحة ولغات أخرى
فلأنّ الثـّـقافة أصبحت تمتاز بالعالميّة، ويساعد التـّـقدّم الحاصل في
المواصلات على السـّـفر والإختلاط بثقافات أخرى.

الثـّـقافة في علم الأعراق أو الإثنيّات وعلم الإنسان:

النّاس حسب علماء الأنثروبولوجيا يتعلـّـمون كيفيّة تصنيف أنفسهم في
محيطهم ويصنّفون الأشياء من حولهم انطلاقا من اهتماماتهم ومحاولاتهم
الهادفة إلى التـّـغلـّـب على المشاكل والمصاعب المترتـّـبة عن العيش في
المحيط. القيم الثـّـقافيّة مرتبطة بالعرق أيضا ولذلك سعى علم الأعراق
(ethno-science) منذ أنشئ إلى توضيح كيفيّة التـّـصنيف تلك وكيفيّة وصف
الواقع حسب الإثنيّات. ما لاحظة دارسو الأعراق هو أنّ الشـّـخص يصف ويفهم
دوما ثقاقات الغير انطلاقا من ثقافته. وقد يعمد الفرد إلى التـّـخلـّـي عن
ثقافته وتبنّي ثقافة غيره أو تعلـّـمها لأنّ التـّـنشئة الإجتماعيّة لا
تتوقـّـف فإذا ما انتقل شخص للعيش في مجتمع غير مجتمعه فإنّه يُضطرّ إلى
تعلـّـم ثقافة المجتمع الجديد أو على الأقلّ إلى التـّـعامل معها لأنّ
العيش لا يتمّ من دون الثـّـقافة. عندما يجد المرء نفسه في وضعيّة ما بين
ثقافيّة (intercultural) أو متعددة الثـّـقافات (multicultural situation)
فإنّه في سياق تعامله مع الثـّـقافة وفي محاولة أيجاد مكان لنفسه في
الثـّـقافة يلجأ إلى طريقتين في السـّـلوك. هذان الطـّـريقتان أطلق عليهما
علم السّلوك وكذلك علم الإثنيّات مصطلحان هما:
Etic – Emic أو Netic – Nemic وهما مستمدّان من كلمتي: phonemic و phonetic
وأنا أقترح لهما ترجمة أميك وأتيك أو نميك ونتيك.
أميك وأتيك مصطلحان يشرحان سلوك واعتقادات الفرد عندما يتعرّض لثقافة غير ثقافته.
أوّلا: أميك شرح للسّلوك والإعتقادات التي تتكوّن لدى الشـّـخص اللاّعب
انطلاقا من المعاني الدّاخليّة التي يحمل أسواء كانت واعية أم غير واعية
أي انطلاقا من الثـّـقافة التي يحمل.
ثانيا: أتيك وصف السـّـلوك من طرف المشاهد انطلاقا من معاني يمكن سحبها
بصورة محايدة على ثقافات أخرى أي من دون استعمال المعايير والأفكار
الماورائيّة.

نماذج الأميك تصف وتصنّف نظرة أعضاء المجتمع لعالمهم ولعناصره انطلاقا من
ثقاقة ما وهي الثـّـقافة التي يحملون. قد لا تكون نماذج الأميك موضوعيّة
في فهم سلوك الآخرين وكيفيّة إدراكهم للواقع لأنـّـها حكم على ثقاقة ما من
خلال ثقافة أخرى ولكنّها تقدّم للباحث فكرة عن السّلوك والاعتقادات التي
تتكوّن عبر فلتر الثـّـقافة. أمّا نماذج الأتيك فهي تصنيف انطلاقا من نظم
تحليليّة خارجيّة عن الفرد أي يملكها الباحث.
وقد صاغ هذين المصطلحين عالم الألسن والأنثروبولوجي كينّث بايك (Kenneth Pike) سنة 1954.

قال كينـّـث بايك ثمّة منظوران يُستعملان في دراسة النـّـظام الثـّـقافيّ
المجتمعيّ تماما كما يُستعمل منظوران في دراسة النّظام الصّوتيّ للـّـغة.
هذان المنظوران يمكـّـنان من الأخذ بعين الاعتبار وجهتي النّظر الموجودتين
في المجتمع: وجهة نظر الشّخص الدّاخلي، المنتمي أصلا للمجتمع، ووجهة نظر
الشـّـخص الخارجيّ، القادم من الخارج. هذان المنظوران يركـّـزان الإهتمام
على الفوارق الثـّـقافيّة الدّاخليّة التي لها معنى لدى أعضاء المجتمع
المتعدّد الثـّـقافات وذلك من دون التـّـركيز على التـّـمييز بين الواقع
المُعاش وعالم الماورائيّات الموجود في الثـّـقافة. ويبقى عضو المجتمع،
حامل الثـّـقافة، الوحيدُ القادرُ على إصدار الحكم على صلاحية الوصف
الأميكيّ للثـّـقافة تماما مثل المتكلـّـم بلغة ما إذ هو الوحيد الأقدر
على الحكم على نظامها الفونيميّ. نظام الأتيك حسب كينـّـث بايك يعتمد على
المفاهيم الخارجيّة والنّماذج التي لها معنى بالنّسبة للباحث تماما مثل
قواعد التـّـحليل اللـّـسانيّ للصّوتيات (عندما يصف عالم اللـّـسانيات
الصّوت بانّه لهويّ أو شفويّ أو حنكيّ فإنّ ذلك لا يتضمّن حكما معياريّا).
ومن منظور البحث الأتيكيّ يبقى الباحث محايدا ثقافيّا ويبقى هو الأقدر على
الحكم.

بالنّسبة لكنّـث بايك الأتيك طريقة في الوصف توصل إلى الأميك. الأتيك عنده
مقاربة هدفها الغوص في الثـّـقافة والاكتشاف وتبيان نظم الأميك. وثمّة
أنثروبولوجيّ آخر جعل الأميك والأتيك جزءا لا يتجزّأ من نظريّته المسمّاة
المادّية الثـّـقافيّة اسمه مارفين هاريس (Marvin Harris). يختلف هاريس مع
بايك في اعتباره الأتيك هدفا في حدّ ذاته ويقول إنّه مفيد جدّا في
التـّـحديد الموضوعي للواقع الثـّـقافيّ. الأتيك عنده هو إذا معرفة
ضروريّة متفوّقة على مزاعم الأميك. بالنـّـسبة لهاريس القائل بمادّية
الثـّـقافة المعرفة ومنها الثـّـقافة موجودة في الواقع ويمكن إدراكها.
أمّا بايك فلا يقول بمادّية الثـّـقافة ويعتقد أنّها وهم ولا يمكن معرفتها
إلاّ بطريقة ذاتية.

يمكن القول إنّ علماء الأنثروبولوجيا وهي علم الإنسان كما أسلفت قد
استعملوا هذين المفهومين انطلاقا من اهتمامهم بكيفيّة بناء المعاني لدى
الأشخاص وقواعد السّلوك ولتسهيل عمليّات المقارنة ووضع شموليّات يمكن
الإعتماد عليها. وقد تمّ استعمال الأميك والأتيك عند التـّـعرّض للقضايا
الأنطولوجيّة والإيبستيميّة لكن ليس هناك إجماع على تعريفهما. وبالرّغم من
أنّهما يُستعملان في وصف الثـّـقافة فإنّهما يُستعملان أيضا في التّـربية
والفلكلور وإدارة الأعمال والطـّـبّ وعلم النّفس. ويمكن تعريفهما على
أنّهما مفهومان إيبستيميّان يدخلان في دراسة الثـّـقافة.

الأميك منظور ووجهة نظر يحملهما الشـّـخص عن ثقافته وثقافة غيره في وضعيّة
تتّصف بتعدّد ثقافيّ. والأتيك منظور يُستعمل من طرف الباحث يمكـّـنه من
إجراء دراسة مجرّدة موضوعيّة ليس فيها انحياز أو أفكار مسبقة بل فيها
اتـّـباع لمنهج الملاحظة المحايدة.

الأميك بناءات وشروح وتحاليل ومواقف نجدها عند الشـّـخص، أسواء كان ينتمي
أصلا للمجتمع أم دخيلا عليه، تتعلـّـق بمعاني ونماذج ثقافيّة يعتبرها
مهمّة بالنّسبة إليه. تلك المعاني والمواقف يجب أن يتوصّل إليها الملاحظ
عبر الأتيك. وتنبع صلاحيّة الأميك من الاتـّـفاق الثـّـقافيّ الموجود بين
المدروسين؛ ذلك التـّـطابق في الآراء يعكس المفاهيم المشتركة المحمولة عن
ثقافة معيّنة في نطاق مجموعة ما. تلك الآراء المشتركة يمكن التـّـوصّل
إليها عبر الأتيك الذي هو منظور يحدّد طرق الملاحظة. ولا يمكن أن تكون
بناءات الأتيك (التـّـحاليل الملاحظات الوصف إلخ) ذات معنى إلاّ إذا كانت
خاضعة لمبادئ البحث والإيبستيمولوجيا، أي أن تكون مفهومة، منطقيّة، يمكن
التـّـحقّق منها. وبهذا تصبح صلاحيّة الأتيك تحليلا أمبيريقيّا. والخلاصة
هي أنّ هذين المصطلحين يدخلان في إطار المنهج الأنثروبولوجيّ.

خصائص التـّـواصل المخفيّة:

يتمّ التـّـفاعل بين الثـّـقافات في المجتمع الواحد عبر التـّـواصل. وليس
التـّـواصل مجرّد الكلام أو الكتابة. البشر يتواصلون بطرق عديدة ولكنّهم
غير واعين بذلك. التـّـواصل يأخذ شكلا غير لفظيّ في غالب الأحيان وذلك
انطلاقا من رغبتنا في جعل التـّـفاعل مجديا. النّاس يستعملون الإشارات
والنّظرات وكذلك نبرة الصّوت والتـّـرنيم (tone and intonation) ووسائل
أخرى وطرقا ثانويّة أو إضافيّة منها اللـّـباس وطريقة المشي والوقوف
والتـّـكلـّـم إلخ. التـّـواصل لغويّ وثقافيّ في طبيعته. الفرد قد يستعمل
نبرة معيّنة للتـّـعبير عن السّخرية أو الغضب أو القلق وقد يضحك أو يبتسم
أو يقطـّـب وقد يستعمل ترنيما معيّنا لإظهار عواطفه وأحاسيسه وقد يشير
بتحريك أعضاء من جسمه. هذه الطـّـرق في التـّـعبير والتـّـواصل يتعلـّـمها
الفرد من المجتمع ويلجأ إليها لإبلاغ ما لم ينطق به أو ما لا يمكن النّطق
به للغير. هذه الطـّـرق الإضافيّة تدخل كلـّـها في إطار "اللـّـغة
المحاذية" (paralanguage) وهي الخصائص التي تصاحب الكلام أو المخاطبة
وليست عناصر من اللـّـغة أو من النـّـظام اللـّـغويّ: طبيعة الصّوت
وتعابير القسمات والإشارة عن طريق الحركات. هذه الوسائل عادة ما تكون غير
واعية. أمّا الهدف منها كما قلت فهو جعل المخاطبة والتـّـواصل مجديّين
ومنع سوء الفهم وسوء التـّـاؤيل.

ويمكن ملاحظة عناصر "اللـّـغة المحاذية" عند التـّـخاطب وجها لوجه لأنّ في
مثل هذه الوضعيّة يكون من العسير إخفاء العواطف والأحاسيس. اللـّـغة
المحاذية أهمّ بكثير من اللـّـغة ذاتها في وضعيّات معيّنة. وعندما يتواصل
الأشخاص يولون أهمّية بطريقة غير واعية لما يسمّى غير اللـّـفظي أكثر من
اللـّـفظيّ. ونلاحظ القدرة على فهم التـّـعابير غير اللـّـفظيّة لدى
الرّضّـع أيضا. الرّضيع قادر على قراءة تعابير الوجه والحركات ويفهم من
خلالها نوايا الشـّـخص الذي يقوم برعايته أو الذي يقف قبالته أسواء كان
طفلا أم منتميا إلى العائلة أم غريبا عنها... يؤكـّـد علم النـّـفس أنّ
الرّضيع والطـّـفل الصّغير يدرك الرّغبات الطـّـفوليّة الموجودة لدى
والديه الكامنة في لاوعيهم. وبصفة عامّة يفهم الكبار كلّ التـّـعابير غير
اللـّـفظيّة تقريبا. وتكمن أهمّية الإيحاءات الرّمزيّة التي يتضمـّـنها
التـّـواصل غير اللـّـفظيّ في تقديم معلومات عن شخصيّة الباثّ وعن المحيط
الذي يعيش فيه. وليس الباثّ وحده هو الذي يستعمل وسائط غير لفظيّة بل إنّ
المتلقـّـي أيضا يلجأ إليها. في القسم يقيّم الأستاذ التـّـأثير الذي
خلـّـفه درسه على الطـّـلاّب ومدى فهمهم له من خلال نظراتهم وتعابير
أوجههم.

وبالعودة إلى مثال الرّضيع يمكن القول إنّ التـّـعبير الغير لفظيّ غريزيّ
إذ عندما يجيئ المولود إلى هذا العالم نلاحظ أن له قدرة على التـّـعبير
بتلك الطـّـريقة لأنـّـه لا يملك لغة بعد. وإنـّـي أعرض هنا للطـّـرق غير
اللـّـفظيّة في التـّـواصل لأنـّـها تمكـّـن من استجلاء الثـّـقافة
المحمولة: في البلدان العربيّة مثلا الشـّـابّ الذي يغضب منه أبيه ينظر
إلى تحت ويتجنّب النـّـظر في عيني والده؛ وهذا نفهم منه مقدار السـّـلطة
التي يتمتـّـع بها الآباء. والمرأة أيضا تنظر إلى تحت عندما يغضب منها
زوجها وذلك دليل على رضوخها. تحليل التـّـعابير الغير لفظيّة يمكـّـن من
فهم الحالة المعنويّة التي يوجد فيها الشـّـخص.

دراسة الحركات الجسديّة تسمّى "kinesics" ويهتمّ بها الدّارسون لأنّها لغة
تعبيريّة غير لفظيّة تتمّ عن طريق الحركات والقسمات الوجهيّة وهي تدلّ على
الثـّـقافة كما قلت. عندما يكون شخص جالسا في مقهى وتمرّ غير بعيد فتاة
تلبس لباسا معيّنا قصيرا مثلا وحذاء عالي الكعب وتمشي بطريقة معيّنة،
تتمايل مثلا، ذلك الشـّـخص الجالس في المقهى قد يعتقد أنّها على تلك
الهيئة تعرض نفسها فيتبعها ويضايقها. هذه سلوكات موجودة في البلدان
العربيّة لا يمكن وصفها إلاّ بكونها ثقافيّة متعلـّـقة بنظرة العربيّ
للمرأة إذ يشترط في الأنوثة الإحتشام ويترقـّـب من الأنثى ألا تحدّق في
الرّجل وألاّ تديم فيه النـّـظر وغير ذلك. النّاس عبر الثـّـقافة
يتعلـّـمون الكثير من الحركات ويحملون مفاهيم عن إيحاءاتها والرّسالة التي
توجّهها كلّ منها. الابتسام يُـفهم من خلال الوضعيّة اللـّـغويّة أو
التـّـواصليّة التي يحصل فيها ويفهم بطرق عديدة وكذلك الضـّـحكة ونبرة
الصّوت. الضّحكة قد يكون القصد منها السـّـخرية أو التـّـعبير عن المرح،
وهذا يُفهم في إطار السّياق اللـّـغويّ الذي تحدث فيه (The Linguistic
Situation).

في كل وضعيّة تواصليّة بين شخصين أو مجموعتين تدخل المساحة في عمليّة
التـّـواصل وقد تكون مكوّنا مادّيا للرّسالة، ودراسة الظـّـواهر المرتبطة
بالمساحة تسمـّـى "proxemics". أستعمال المساحة، القرب والبعد من
المخاطـَـب، يلعب دورا في التـّـواصل ولكنـّـنا غير واعين بهذا أيضا.
وتكمن أهمّية المساحة في أنّ كلّ شخص يحمل معان عن عمليّة التـّـواصل
ولديه إحساس بمدى قرب الآخر منه أو بعده عنه وهي الوضعيّة التي يكون فيها
مرتاحا أثناء عمليّة التـّـواصل. المرأة عندما يقرّب رجل وجهه منها وهو
يخاطبها وكأنـّـه يهمس إليها، وعندما يكون ذلك أمام متفرّجين يعرفونها،
تخطو خطوات إلى الوراء لكي تفرض المساحة بينها وبين مخاطبها التي تشعر
فيها براحة ولكي تزيل من أذهان المتفرّجين التـّـأويلات الخاطئة. ويحدث
التـّـغيير في الوضعيّة خلال التـّـواصل إمّا عن طريق الإقتراب أو
الإبتعاد لتحقيق الرّاحة والتـّـفاعل المجدي. هذه الطـّـرق في التـّـواصل
تمليها الثـّـقافة التي تبيّن ما هو مسموح به وما هو غير مسموح به خلال
التـّـواصل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الثـّـقافة واللـّـغة بقلم:عزالدّين بن عثمان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى هيثم أمين :: منتديات اللغــات :: اللغة العربية والأدب-
انتقل الى: